11
من صفر 1437 هـ 003
المسلمون في ميانمار
"ميانمار
(بورما)" هي
إحدى دول شرق آسيا وتقع على امتداد خليج البنغال، تُسمى "بورما" ورسميـــًا "جمهورية إتحاد ميانمار" تحدها من الشمال الشرقي الصين، ومن الشمال الغربي الهند وبنغلاديش،
وتشترك حدودها مع كل من لاوس وتايلاند، وحدودها الجنوبية سواحل تطل على خليج
البنغال والمحيط الهندي ويمتد ذراع من "ميانمار (بورما)" نحو الجنوب الشرقي في شبه جزيرة الملايو، وتُعَدُ "ميانمار
(بورما)" بلدًا
زراعيــًا يعيش ثلاثة أرباع أهلها على الزراعة، ويعمل بالزراعة 43% من القوى
العاملة، وأبرز حاصلاتها الأرز وهو الغذاء الأساسي لمعظم سكانها ويفيض عن حاجتها
وتصدر منه كميات كبيرة، وتحتل المكانة الرابعة في تصدير الأرز بين دول العالم.
من حيث تاريخها
الحديث .. كانت إحدي ولايات الهند البريطانية تتألف من اتحاد عدة ولايات هي "بورما وكاران وكابا وشان وكاشين وشن"، وفي
1 أبريل 1937 انفصلت عن حكومة الهند البريطانية نتيجة
اقتراع بشأن بقائها تحت سيطرة مستعمرة الهند البريطانية أو
استقلالها لتكون مستعمرة بريطانية منفصلة، وفي 1940 كانت "ميليشيا
الرفاق الثلاثون" التي نالت
قادته "الرفاق الثلاثون" التدريب العسكري في اليابان كونت جيش الاستقلال البورمي وهو قوة مسلحة معنية بطرد الاحتلال البريطاني، وهذا الأمر جعل "ميانمار (بورما)" بؤرة خطوط المواجهة في "الحرب العالمية الثانية" بين
بريطانيا واليابان، ومن بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء أعادت بريطانيا ضمها كمستعمرة، وانقسم الصراع الداخلي بين البورميين أنفسهم إلى
موال لبريطانيا وموال لليابان ومعارض لكلا التدخلين, وقد نالت استقلالها أخيرًا
عام 1948م وانفصلت عن الاستعمار البريطاني، ويختلف سكان "ميانمار (بورما)" من حيث التركيب العرقي واللغوي وتصل إلى أكثر من 140 عرقا وأهمها
من حيث الكثرة "البورمان"، وأصلهم من التبت الصينية وهم قبائل شرسة عقيدتهم البوذية، هاجروا
إلى المنطقة "بورما" في القرن السادس عشر الميلادي ثم استولوا على
البلاد في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي وهم الطائفة الحاكمة، ويتحدث أغلب
سكانها "اللغة البورمية" وباقي السكان يتحدثون لغات متعددة، ومن بين الجماعات المتعددة في
سكانها جماعات الأراكان وجماعات الكاشين، ويعيشون في القسم الجنوبي من مرتفعات "أراكان بورما" وينتشر
الإسلام بينهم.
وقد جاء الإسلام إلى هذه البلاد دون أي نشاط سياسي أو عسكري؛ بل انتشر الإسلام بفضل
صفات المسلمين الخُلُقية العالية التي اتصفوا بها، فكانت الأخلاق والصفات الحميدة
التي اتصف بها العرب سببــًا في
تقبل سكان "أراكان" للإسلام، ودخل الإسلام إلى "ميانمار) بورما)" عن
طريق إقليم "أراكان" بواسطة التجار العرب في عهد "الخليفة العباسي هارون الرشيد"، وقد كان للتجار العرب صلة وثيقة مع أهل أراكان منذ قبل 788م،
وكان "ميناء جزيرة رحمبري" في
جنوب أراكان اسمـًا مألوفا لدى البحارة العرب في الصدر الأول.
ويُذكرُ أنه في "القرن الثامن الميلادي" كان
أسطولاً صغيرًا لتجار عرب مسلمين اصطدم مع صخور سواحل البحر قرب جزر "رحمبري وشدوبا" في إقليم "أراكان" وأدى إلى تحطم سفنهم التجارية، وبعد أن نجا التجار من الغرق في
البحر التجأوا إلى القرى المحلية، وبدأوا بنشر الإسلام والدعوة إلى الله سبحانه
وتعالى بين أهلها، وكثير منهم استقروا فيها واستوطنوها للأبد وتزوجوا من الفتيات
المحليات.
"والروهينغيا" هو اسم الجماعة المسلمة في
"ميانمار) بورما)"
ويصل عددهم إلى قرابة
الـ 10ملايين نسمة تمثل
حوالي 20% من سكان "ميانمار (بورما)" البالغ عددهم أكثر من 50 مليون نسمة، وتوجد كثافة عددية للمسلمين
في إقليم "أراكان" ويصل عددها إلى 4 ملايين مسلم يمثلون 70% من سكان
الإقليم
التي يصل تعدادها
إلى 5.5 مليون نسمة، ويُعدُّ
المسلمون من أفقر الجاليات في "ميانمار
(بورما)" وأقلها تعليمــًا
ورعاية ومعرفتهم عن الإسلام محدودة ويتعرضون للإبادة والتشريد.
والتاريخ الإسلامي
في "ميانمار
(بورما)" يتضح
في وصوله إلى "أراكان" في عهد "الخليفة العباسي هارون الرشيد" في القرن السابع الميلادي عن طريق الرحالة العرب حتى أصبحت دولة
مستقلة حكمها 48 ملكـًا مسلمـًا على التوالي واستمر حكمم لأكثر من ثلاثة قرون ونصف
القرن ما بين عامي 834هـ/1430م، 1198هـ/1784، وانتشر الإسلام في كافة بقاع "ميانمار (بورما)"
وتوجد بها آثار إسلامية رائعة من المساجد والمدارس والأربطة منها مسجد "بدر
المقام" في "أراكان"
وهو مشهور، ويوجد عدد من المساجد بهذا الاسم في المناطق الساحلية في كل من "الهند وبنغلاديش وبورما وتايلاند وماليزيا وغيرها"، وأيضا مسجد "سندي
خان" الذي تم بناءه في
عام 1430م وغير ذلك.
وفي عام 1784م احتل
"أراكان" الملك البوذي البورمي"بوداباي"،
وضم الإقليم إلى "بورما" وأخذ يخرب ممتلكات المسلمين ويتعسف في معاملتهم وقتل الكثير من
العلماء والدعاة، ودمَّر كثيراً من الآثار الإسلامية من المساجد والمدارس، واستمر
البوذيون البورميون "الماغ" في اضطهاد المسلمين ونهب خيراتهم خلال فترة احتلالهم التي ظلت أربعين
سنة انتهت بمجيء الإستعمار البريطاني في عام 1824م، حينما احتلت بريطانيا "بورما"
وضمتها إلى حكومة الهند البريطانية.
وفي عام 1937م ضمت بريطانيا "بورما" مع "أراكان"؛ لتكون مستعمرة مستقلة
عن حكومة الهند البريطانية؛ وفي عام 1942م تعرض المسلمون لمذبحة وحشية كبرى من
قِبَل البوذيين "الماغ " بعد حصولهم على
الأسلحة والإمداد من قِبَل البوذيين البورمان والمستعمرين البريطانيين وغيرهم، وراح
ضحيتها أكثر من "مائة ألف مسلم" وأغلبهم من النساء
والشيوخ والأطفال، وشردت الهجمة الشرسة مئات الآلاف من المسلمين خارج الوطن، ورجحت
بذلك كفة البوذيين "الماغ" وكانت سطوتهم مقدمة لما تلا ذلك من أحداث.
وفي عام 1947م قُبيْل استقلال بورما عن الإحتلال البريطاني عُقد
مؤتمر في مدينة "بنغ لونغ" للتحضير للاستقلال، ودعيت إليه جميع الفئات
والعرقيات باستثناء المسلمين "الروهينغيا" لإبعادهم عن سير الأحداث
وتقرير مصيرهم، وفي 4 يناير 1948م منحت بريطانيا الاستقلال لـ "بورما"
شريطة أن تمنح لكل العرقيات الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، ولكن
ما إن حصل "البورمان" على الاستقلال حتى نقضوا عهودهم، حيث استمرت في
احتلال "أراكان" دون رغبة سكانها من المسلمين "الروهينغيا"
والبوذيين "الماغ" أيضاً، وقاموا بممارسات بشعة ضد المسلمين، وظل الحال
على ما هو عليه من قهر وتشريد وإبادة ليزداد الأمر سوءًا بالإنقلاب الفاشي 1962م.
ومنذ استولى العسكريون الفاشيون على الحكم في بورما بعد الإنقلاب
العسكري عام 1962م بدعم المعسكر الشيوعي الفاشي الصين وروسيا، ويتعرض مسلمو "أراكان" لشتى أنواع الظلم والإضطهاد
من القتل والتهجير والتشريد والتضييق الإقتصادي والثقافي ومصادرة أراضيهم، بل
مصادرة مواطنتهم بزعم مشابهتهم للبنغاليين في الدين واللغة والشكل، كما يتعرضون
لطمس الهوية ومحو الآثار الإسلامية وذلك بتدميرها من مساجد ومدارس تاريخية، وما
بقي يمنع منعــًا باتــًا من الترميم فضلاً على إعادة البناء أو بناء أي شيء جديد
لـه علاقة بالدين من مساجد ومدارس ومكتبات ودور للأيتام وغيرها، والمدارس الإسلامية
تمنع من التطوير أو الإعتراف الحكومي والمصادقة لشهاداتها أو خريجيها، كما توجد
محاولات مستميتة لـ "برمنة" الثقافة الإسلامية وتذويب المسلمين في المجتمع البوذي البورمي
قسراً، وأيضا التهجير الجماعي من قرى المسلمين وأراضيهم الزراعية إلى مناطق قاحلة
تعد فيها مخيمات تفتقد لمقومات الحياة، وتوطين البوذيين في "قرى نموذجية" تُبنى بأموال وأيدي
المسلمين، وتسخير المسلمين للمهام الصعبة كالعمل في البناء وتحت حرارة الشمس
الملتهبة، وشق الطرق الكبيرة والثكنات العسكرية دون أي تعويض يعود على المسلمين،
ومن يرفض فمصيره الموت في المعتقلات الفاشية التي لا تعرف الرحمة.
ويتعرض المسلمون في "أراكان" للطرد الجماعي المتكرر خارج الوطن مثلما حصل
عقب الانقلاب العسكري الفاشي حيث طرد أكثر من 300.000 مسلم إلى "بنغلاديش"، وفي عام 1978م طرد
أكثر من 500.000 أي نصف مليون مسلم، وفي عام 1988م تم طرد أكثر من 150.000 مسلم بسبب
بناء القرى النموذجية للبوذيين في محاولة للتغيير الديموغرافي، وأيضا في العام
1991م تم طرد قرابة 500.000 أي نصف مليون مسلم، وذلك عقب إلغاء نتائج الانتخابات
العامة التي فازت فيها المعارضة بأغلبية ساحقة انتقامــًا من المسلمين، لأنهم
صوتوا مع عامة أهل البلاد لصالح "الحزب الوطني الديمقراطي NLD المعارض"، والآن يعيشون في أوضاع قاسية جداً، وبالطبع حياتهم محاطة
بالمشكلات مع البنغاليين الفقراء وسط موارد محدودة وفقر بلا حدود، وكل هذا لا يعلم
عنه المسلمون في العالم شيئــًا وإن علموا وقفوا مكتوفي الأيدي.
ومن الإجراءات القاسية للنظام القائم إلغاء حق المواطنة للمسلمين؛
حيث تم استبدال بطاقتهم الرسمية القديمة ببطاقات تفيد أنهم ليسوا مواطنين، ومن
يرفض فمصيره الموت في المعتقلات وتحت التعذيب أو الهروب خارج البلاد، وهذا هو
المطلوب أصلاً، وكذلك يحرم أبناء المسلمين من مواصلة التعلم في الكليات والجامعات،
إمعانا في نشر الأمية وتحجيمهم وإفقار مجتمعاتهم، ومن يذهب للخارج يُطوى قيده من
سجلات القرية، ومن ثم يعتقل عند عودته ويرمى به في غياهب السجون، إضافة لحرمانهم
من الوظائف الحكومية مهما كان تأهيلهم، حتى الذين كانوا يعملون منذ حقبة الإستعمار
أو القدماء في الوظائف أجبروا على الاستقالة أو الفصل التعسفي، إلا عمداء القرى
وبعض الوظائف التي يحتاجها العسكر فإنهم يعيِّنون فيها المسلمين بدون رواتب، ويضاف
لذلك منعهم من السفر إلى الخارج حتى لأداء فريضة الحج إلا السفر إلى "بنغلاديش" ولمدة يسيرة، ويعتبر
السفر إلى عاصمة الدولة "رانغون" أو أية مدينة أخرى جريمة يعاقب عليها، وكذا عاصمة الإقليم
والميناء الوحيد في مدينة "أكياب"، بل يمنع التنقل من قرية إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح، كما
تفرض عقوبات اقتصادية مثل الضرائب الباهظة في كل شيء، والغرامات المالية، ومنع بيع
المحاصيل إلا للعسكر أو من يمثلهم بسعر زهيد لإبقائهم في فقرهم المدقع، أو
لإجبارهم على ترك أراضيهم وممتلكاتهم، فهناك مخطط "بوذي بورمي" لإخلاء إقليم "أراكان" من المسلمين بطردهم
منه أو إفقارهم وإبقائهم ضعفاء لا حيلة لهم ولا قوة، ولاستخدامهم كعبيد وخدم لهم.
وقد وصل عدد اللاجئين من جراء التعسف إلى حوالي "مليوني
مسلم" معظمهم في "بنغلاديش والمملكة العربية السعودية" من مجموع
المسلمين في بورما، ويعيش اللاجئون في بنغلاديش في حالة مزرية في منطقة
"تكيناف" في المخيمات المبنية من العشب والأوراق في بيئة ملوثة
والمستنقعات التي تحمل الكثير من الأمراض مثل "الملاريا والكوليرا والإسهال"،
حيث تنتشر مخيماتهم في أماكن تفتقر إلى مقومات الحياة في "بنغلاديش" كبلد
يعاني من الفقر الشديد.
ويطالب زعماء المسلمين في "ميانمار (بورما)" بأن تمنح قضاياهم
مكانتها اللائقة، ويطمحون للإتصال بالعمل الإعلامي لنشر معاناتهم بمختلف لغات العالم، ويرغبون
في توفير فرص التعليم لأبناء "الشعب الروهنغي" وفتح المعاهد والجامعات لهم، وتخصيص المقاعد
للمنح الدراسية في الجامعات بكميات معقولة، فالمسلمون في "ميانمار (بورما)" يعانون من أوضاع مأساوية،
وظلوا ضحايا لشتى أصناف الإضطهاد في مختلف نظم الحكم التي مرت على "ميانمار (بورما)".









ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق